عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

109

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

على المخلوق ، فهو ولو كان موجودا في علم اللّه فهو محدث في نفس ذلك الوجود ، لأنه فيه مفتقر إلى موجد يوجده ، فلا يصحّ على المخلوق اسم القديم ، ولو كان موجودا في العلم الإلهي قبل بروزه ، لأن من حكمه أن يكون موجودا بغيره فوجوده مرتب على وجود الحق ، وهذا معنى الحدوث ، وإلا فالأعيان الثابتة في العلم الإلهي محدثة لا قديمة بهذا الاعتبار ، ومن هذا الوجه ، وهذه مسئلة أغفلها أئمتنا ، فلا توجد في كلام واحد منهم إلا ما يعطي الحكم بقدم الأعيان الثابتة ، وذلك وجه ثان لاعتبار ثان ، وهنا أنا أوضحه لك ، وهو أنه لما كان العلم الإلهي قديما : أي محكوما عليه بالقدم وهو الوجوب الذاتي ، لأن صفاته ملحقة بذاته في كل ما يليق بجنابه من الأحكام الإلهية ، ولأن العلم لا يطلق عليه علم إلا بوجود معلومه ، وإلا فيستحيل وجود علم ولا معلوم ، كما أنه يستحيل وجود كل منهما بعدم العالم كانت المعلومات وهي الأعيان الثابتة ملحقة في حكم القدم بالعلم ، وكانت معلومات الحق قديمة له محدثة لأنفسها في ذواتها ، فالتحق الخلق بالحق لحوقا حكميا ، لأن رجوع الوجود الخارجي إلى الحق من حيث الأمر عيني ومن حيث الذات حكمي ، ولا يفهم ما قلناه إلا الأفراد الكمل ، فإن هذا النوع من الأذواق الإلهية مخصوص بالمحققين دون غيرهم من العارفين ، ولما كان هذا القدم في حقّ المخلوقات أمرا حكميا والحدوث أمرا عينيا ، قدمنا ما يستحقونه من حيث ذواتهم على ما ينسبون إليه من حيث الحكم ، وهو تعلق العلم الإلهي بهم فافهم ، فقدم الحق أمر حكمي ذاتي وجوبي له ، وحدث الخلق أمر حكمي ذاتي وجوبي للمخلوقات ، فالمخلوقات من حيث هويتها لا يقال فيها إنها حق إلا من حيث الحكم ليدلّ عليه ، وإلا فالحق في نفسه منزّه أن تلحق به الأشياء من حيث ذاته ، فما لحقوا به إلا من حيث الحكم ، وهذا اللحوق ولو لاح للمكاشف العارف أنه لحوق ذاتي ، فإن ذلك إنما هو على قدر قابلية المكاشف لا على الأمر الذي يعلمه اللّه من نفسه لنفسه ، وما أتت ألسنة الشرائع إلا مصرّحة بانفراد الحقّ بما هو له ، وهذا التشريع هو على ما هو الأمر عليه ، لا كما يزعمه من ليس له معرفة بحقيقة الحقائق ، فإنه يلوح له شيء ويعزب عنه أشياء ، فيقول : إن التشريع إنما هو القشر الظاهر ، ولم يعلم أنه جامع للبّ الأمر وقشره ، فقد أدّى الأمانة صلّى اللّه عليه وسلم ونصح الأمة ، ولم يترك هدى إلا نبه عليه ، ولا معرفة إلا هدي إليها ، فنعم الأمين الكامل ونعم العلم باللّه العامل . فالقدم أمر حكمي لذات واجب الوجود ؛ والفرق بين الأزد والقدم ، أن الأزل عبارة عن معقولية القبلية للّه